أحمد بن ابراهيم النقشبندي
86
شرح الحكم الغوثية
بمنزل ، فإذا صاحبه السالك ارتدى برادئه ، وانقطع عن أول قدم من طريق مولاه . ومثل الواعظ المداهن الذي مقصوده ممن وعظه : جمع دنياه ، ونيل ما ترومه نفسه وتهواه ، يقول ما لا يفعل ، ويعلّم غيره ، وينهاه عن الغفلة ، وهو أغفل كما قيل : يا أيّها الرجل المعلّم غيره * هل لا لنفسك كان ذا التّعليم ابدأ بنفسك فانهها عن غيرها * فإن انتهت عنه فأنت حكيم دخل سيّدنا علي رضي الله عنه مسجد البصرة فوجد فيها نحو مائة حلقة ، فكان يقف عند كل حلقة ، ويسأل صاحبها بسؤال ، ثم يمنعه من التدريس حتى إذا أتى إلى حلقة الحسن البصري رضي الله عنه فرآه شابا حسن الصمت ، فقال : إني سائلك مثل ما سألتهم ، فإن أجبتني بما ينبغي ، وإلا منعتك كما منعتهم . فقال : سل عمّا بدا لك . فقال : ما ملاك الدين ؟ قال : الورع . فقال : ما آفة الدين ؟ قال : الطمع . فقال : اجلس فمثلك من يصلح للجلوس . وهذا ميزان نافع يعرف السالك الضار من النافع ، فإن حبّ الدنيا رأس كل خطيئة ، فمن كان عنده رأس الخطيئات ؛ كيف ينقذ غيره من لجج البليّات . فعليك بتتبّع الآثار ، واستنشق الروائح الطيبة من أذاخرها والرحيق من أزهارها . قال صلى اللّه عليه وسلم : « واستفت قلبك ، وإن أفتاك المفتون » « 1 » ، فحيث تجد روائح الأنس فأعمدها ، وإن لمعتك لوامع الفوائد من قلوب فاقصدها ، وما أحسن ما قيل في ضبط ذلك ، ومعرفة ما اشتبه مما هنالك ، إذا أنت مع شخص جلست ، ولم تجد حضورك ينمو فاجتنبه وفارق ، ولا تصحب الأغيار ، واختر مصاحبا يفيدك جمع القلب من غير
--> ( 1 ) تقدم تخريجه .